أخبارمقالات

أنت القائد ليس غيرك

و.ش.ع

كتبت- فاطمه عننر

أحيانا يرى الكثير منا هدفه، ويعلم جيدًا ما يضرُّه ويعلمُ ما ينفعه، إلا أنه يقوم بعمل ما يضره ويترك ما ينفعه، وهو أمر عجيب، فنراه مثلا في المُدخّن الذي يعلم يقينًا ضرر التدخين ومع ذلك يُصِرُّ على البقاء عليه، ونراه أيضًا في شخص يعلم يقينا خطر تناول الطعام بكثرة على صحته ووزنه ومع ذلك يصر على الإكثار منه.. وهكذا في كثير من الأحيان نعلم الضرر علم اليقين ونفعله عن عمد، وكأننا نساق إليه بمحض الاختيار!

فكيف نفسر هذا الأمر ونحلّله؟

الأمر متعلق -إلى حد كبير- بعدم وجود مهارة الاستغناء عند من يقعون في هذه المشكلة، فعلماء النفس والاجتماع قد وضّحوا أنّ من مبادئ إدارة الوقت وأهمها أن تتعلّم الاستغناء بل تتقنه، بمعنى أن تتعلم أن تستغني وتترك الأشياء مع تعلقك الشديد بها، فوضْع الخطط للإدارة وحده لا يكفي، ووضع الاستراتيجيات المُحكمة للتحكم في الوقت لا يكفي أيضا، وإنما القدرة على ترك ما تطيب له النفس هو أهم مبادئ إدارة الوقت، فالنفس تميل إلى الراحة غالبا، وترك الراحة يحتاج إلى جهد وإرادة، وهي مهارة يجب تعلمها قبل وضع الخطط اللازمة للتحكم في الوقت، وإذا زاد الأمر داخل الإنسان فقد يشعر أنه يُساق فلا يترك الأشياء حتى تتركه!

فترْك الأكل يحتاج لإتقان مهارة الاستغناء، وترْك المُلهيات يحتاج لمهارة الاستغناء وترك التدخين يحتاج لمهارة الاستغناء…ومن تعلَّم هذه المهارة حتما سيصبح بارعًا في إدارة وقته، فيملك زمام نفسه ويعلم ماذا يترك، ومتى يترك.

والتحكم في مَلَذَّات النفس الضارة وامتلاك القدرة على الاستغناء عنها يتطلب كثيرا من المصالحة مع النفس فيحتاج الإنسان دائما لجلسة حوار مع ذاته من حين لآخر، يعترف لنفسه بمشكلاته ومتطلبات مرحلة حياته، ويقرر فيها ترك ما هو أقل نفعا؛ لتدعيم ما هو أكثر نفعًا وأشدُّ قيمة.

فالاستغناء قوة، وما نقصده هنا هو الاستغناء والتخلي عن ما نسميه (الضرر اللذيذ) الذي نفعله متعمدين تلبية لرغبات النفس واحتياجاتها دون وعيٍّ أو تفكير، فتعَلُّم الاستغناء يجعل الإنسان قويًّا ذا همة وعزيمة؛ قال تعالى: “يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ” [مريم: 12]، يعني: خذ هذا الدِّين بجد وعزيمة من غير توانٍ ولا تكاسل، فلا بد من التحلي بالقوة والإرادة، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: “الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ، خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَلَا تَعْجَزْ…الحديث”. رواه مسلم، وقد ميَّز الله سبحانه الإنسان بالحُرِّية ومنحه نعمة الاختيار فلا ينبغي عليه أن يقع أسيرًا لرغبةٍ فانيةٍ مضرةٍ فيَضِيعُ منه الكثير والكثير وهو الذي قد تنازل عن آدميته التي كرمه الله بها، فيصف نفسه_ وهو مخطئ_ بعدم القدرة على ترك عادة بعينها أو سلوك بعينه، ولا يعلم أن الله منحه قدرات داخلية تعينه على الارتقاء بمستوى نفسِه غير أنه يأسر نفسَه تحت وطأة الهوى دون جهد منه أو سعي لمحاولة التغيير والارتقاء والتحكم في حياته.

الكون كله يتغير من حولك فإن التغيير من سنن الكون الحتمية، فإن كان كذلك فاجعل لنفسك من الخير نصيبًا، وتذكر دائما أنّ من لم يَتقدَّم يَتقادَم، ومن لم يزد شيئًا على الدنيا فهو زائد عليها فانهض بنفسك واقطع حبال الأسر التي رَبَطْتَها انت حول عنقك، مدَّعيا أنك لا تستطيع الاستغناء عن ما اعتدت عليه، واستعن بربك ومولاك فهو سبحانه نعم المولى ونعم النصير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق