و.ش.ع

اعداد_ تامر عز 

مازال الكثير من عمليات المخابرات المصرية لم تنشر بعد ، والذي تم نشره منها متفرق عبر انحاء الكتب ومواقع الانترنت وصدور الرجال ، وقصة اليوم هي عن واحدة من عمليات جهاز المخابرات المصرية والتي تشعر وانت تطالعها بأنك تشاهد فيلما من افلام الخيال العلمي الذي يجعلك تحبس أنفاسك حتى تنتهي من قراءتها .

ففي منتصف شتاء 1972 كان الرئيس السادات لا هم له الا جمع المعلومات عن العدو الاسرائيلي استعدادا للحرب وطبعا جمع المعلومات هو مهمة المخابرات العامة المصرية
وذات يوم بينما كان مدير المخابرات العامة (المشير أحمد اسماعيل فيما بعد) جالساً مع الرئيس السادات فى منزله يخبره بآخر تطوراتجهاز المخابرات الاسرائيلي ،  وفى وسطالنقاش بدأ مديرالمخابرات يحدث الرئيس عن كم العملاء المصريين فى اسرائيل
فسأله الرئيس: ماذا عن مقر”جنوة”؟

ومقر جنوة هذا  كان واحداً من أخطر مقارات  المخابرات الاسرائيلية في أوروبا ،وكان يجتمع فيه كبار قادة الموساد بل وقادة اسرائيل السياسيين لاتخاذ القرارات البالغة الخطورة
و كانت ثقه اليهود في مقرهم هذا ثقة عمياء بسبب الصعوبة البالغة في الوصول إلى مكانه، فقد كان محاطا بسرية بالغة ، فضلا عن تأمينه جيداً بنظام أمني صارم  بالغ التعقيد والصعوبة ، وفي كل اجتماع كان يزداد التشديد الأمني على قادة اسرائيل  ، حيث تحمل كل واحد منهم طائرة خاصة يستحيل تعقبها الى جهة مجهولة  ومنها الى المقر السري ليحضرالاجتماع.

لكن أوامر الرئيس السادات كانت واضحة و صارمة بخصوص هذا المقر،،
يجب الوصول لمقر “جنوة” وزرع أجهزة تنصت بداخله بأي ثمن

و من هنا بدأت المغامرة،  و من هنا بدأ أبطال المخابرات بتحدي المستحيل، و بدأت رحلة العمل الجاد ليتم الوصول الى داخل المقر ,, و زرع الأجهزة 

و على الرغم من صعوبة العملية، بدأ رجال المخابرات المصريين يدرسون الأمر بجدية و عقلانية ,, و لا يكلون أو يبخلون بأي جهد أو تضحيات مهما بلغت,,

و الخطوة الأولى كانت تحديد شخصيات المجتمعين في المقر وكل المعلومات عنهم مهما بلغ صغرها أو بدت تافهة
و صدرت الأوامر لجميع رجال مكاتبنا في أوروبا بجمع المعلومات اللازمة ،وبذل الرجال جهداً هائلاً  ،حتى ان بعضهم لم يذق طعم النوم لأيام متتالية
و تجمع بالفعل عند المخابرات المصرية كل المعلومات عن قادة المخابرات الاسرائيلية
بدءا من أشكالهم وحتى أنواع كريم الحلاقة المفضل لديهم و عطورهم المفضلة و الكثير من التفاصيل الصغيرة

و انتقل رجال المخابرات المصرية الى الخطوة الثانية

التنفيذ
ومعرفة الطريقة المثالية للوصول الى مقر “جنوة” وزرع أجهزة التنصت داخله
واجتمع بهم مدير المخابرات ليبدءوا بالبحث عن الحل
وطوال العشر ساعات التالية راحوا يناقشون كل التفاصيل لتحديد الوسيلة المناسبة
لتعقب أحد القادة ووضع جهاز التنصت داخل المقر..

وبدا هذا أمراً أشبه بالمستحيل تماماً

ولكن في عالم المخابرات هناك قاعدة ثابتة لا تقبل الجدل
ما من جهاز أمني محكم تماما…هناك حتما ثغرة ما فى مكان ما ”
وبالفعل بعد أن بدأت روح اليأس في التسلل إلى النفوس اندفع أحد رجال المخابرات (ر.ج)  ليقول:
نحتاج الى تجنيد شخص بينهم.
وبالطبع انطلقت الاعتراضاتوالإستنكارات لصعوبة الأمر البالغة..فكيق يمكن تجنيد واحد من قادة جهاز الموساد الاسرائيلي ؟؟ هذا ضرب من الجنون

لكن مع الشرح راحت الاعتراضات تذهب وبدأ الجميع فى تنفيذ الفكرة
وعندما عاد (ر.ج) الى منزله راح يراجع كل المعلومات عن الشخصيات التى تجتمع فى مقر “جنوة”

و توقف طويلا عند صورة المرأة الوحيدة وسط القادة ..أنها “سارة جولدشتاين”

و لو عرف أحد أنه اختاره لجمع التحريات عن هذه الشخصية بالذات لأتهمه بالجنون
لأن “سارة جولدشتاين” هذه كانت امرأة شرسة قاسية الطباع ، معروفة بصرامتها وقلبها الذى لا يعرف الرحمة فى التعامل مع الأسرى
وقد قضت أيام طفولتها الأولى في معسكرات الاعتقال النازية ثم هاجرت مع عائلتها الى فلسطين
قبل حرب 1948 وقتل والدها فى الفالوجا، وعانت هي مصاعب الحياة كلها فى عيشتها
حتى التحقت بالجيش الاسرائيلى وتدرجتفى المناصب حتى وصلت الى رتبة ضابط بالمخابرات الاسرائيلية، ثم واصلت طريقها بكل حماسة وصرامة حتى صارت واحدة من كبار قادة الجهاز

والواقع أن (ر.ج) لم يعرف لماذا اختارها هي بالذات
ربما هي الغريزة التي تنشأ مع الخبرة الطويلة حتى أنه يثق بها قدر ثقته بالعقل والمنطق
المهم أنه أطلق كل فريقه خلفها حتى عثر على الثغرة التى يمكن النفاذ منها اليها

أنه صديقها “ميخائيل بوروسكي
وهو شاب يهودي و مهاجر بولندي جذبتها اليه عيناه الزرقاوان و ابتسامته الهادئة و وقعت فى حبه

الا أنها كانت قد أجرت تحرياتها حوله و راقبته لشهر كامل حتى تأكدت من اخلاصه ، ثم لم يفترقا بعدها أبدا
و المدهش أن تحريات المخابرات المصرية قد اكتشفت أمراً بالغ الخطورة
فقد كان “ميخائيل بوروسكي”جاسوساً سوفيتيا ..!!!

و بدأ (ر.ج) فى تنفيذ خطة لم يسبقه اليها أحد فى تاريخ المخابرات
انطلق (ر.ج) الى باريس حيث تقضى”سارة” أجازتها مع حبيبها “بوروسكي”

وذات ليلة عادت سارة الى حجرتها وأضاءتها، لتجد أمامها (ر.ج) جالسا مبتسماً فى هدوء وهو يقول لها بلغة عبرية سليمة تماما:

مساء الخير يا “سارة”..أنا (و.و) من المخابرات العامة المصرية

وكانت مفاجأة مذهلة في تاريخ المخابرات أن يكشف ضابط مخابراتي عن شخصيته ويعلن عن انتمائه لجهاز معاد بهذه الصراحة
لذا فقد تجمدت فى مكانها حتى قال لها:عندى أشياء تهمك رؤيتها
ثم قدّم  لها ملفاً يحتوى على صور و وثائق و أفلام تؤكد أنصديقها عميل للمخابرات السوفيتية

ولم تستطع الوقوف على قدميها عندما مر بها شريط ذكريات حياتها المهنية وتخيلت كيف سينهار تاريخها الأمني مرة واحدة إذا ما أنكشفت أبعاد تلك الفضيحة المدوية
وعندما تهاوت الى أقرب مقعد ، مال عليها (ر.ج) وقال لها:
لا تقلقي …لكل شئ حل

ولم تحتاج سارة إلى فهم الباقي، فهي كمحترفة أصبحت تعلم تماما ما يتوجب عليها فعله
و في الاجتماع التالي في مقر “جنوة”كانت “سارة جولدشتاين” هي أول الحاضرين و أكثرهم حماسة
وعند انصرافها تأكدت من وضعها لذلك القرص الأسود فى المكان الذى حدده لها (ر.ج) بالضبط

و فى منتصف شتاء 1973 كان مدير المخابرات يعطي التحية العسكرية للرئيس الراحل السادات:
وهو يقول: تمام يا فندم ..تم تنفيذالمهمة بنجاح…و صرنا نسمع دبيب النملة فى مقر “جنوة”